الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تعليم وتعلم المعجم والدلالة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاطمة



المساهمات : 978
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: تعليم وتعلم المعجم والدلالة   الخميس فبراير 04, 2010 5:27 am

تعليم وتعلم المعجم والدلالة

عبد الاله الرفاعي


تقديم



يكتسي موضوع تعلم وتعليم المعجم والدلالة أهمية بالغة لارتباطه الوثيق بالرسالة التعلمية والتربوية التي يحملها كل مدرس للغة العربية، والتي يسعى من خلالها مساعدة التلميذ الذي أصبح تائها بين أحضان اللهجات المتعددة واللغات الأجنبية الغازية، غير مبال باللغة العربية الفصيحة التي أفنى اللغويون أعمارهم -وما زالوا- في محاولة التوصل إلى معرفة جوانبها المختلفة، وأبلى المعجميون بلاء حسنا في ذلك سواء أكان عملهم مبنيا على أسس نظرية أم على معرفة جيدة باللغة، يقينا منهم بأن هذه الأخيرة هي الوسيلة التي يتم بها اتصال الإنسان ببيئته الاجتماعية، وعلى هذا الأساس جاء بحثي هذا لطرح السؤال الآتي: كيف يمكن جعل التلميذ فصيحا معتزا بلغته في حصص معدودة؟ أو بعبارة أخرى : ما هي الطرق التعلمية التي ينبغي استحضارها في تعلم المعجم والدلالة ؟
كثيرا ما يستوقفنا النقاش الحاد حول طريقة تعليم وتعلم اللغة بصفة عامة، والمعجم والدلالة بصفة خاصة، وبعض النظر عن ذلك الصراع القائم بين المدارس والاتجاهات التربوية والنفسية، فإن أهم ما يثير الانتباه هو كيف ننمي المخزون اللغوي لدى التلميذ، وبذلك فإننا سنخوض في إشكالية تعلم المعجم ومعاني المفردات كلبنة أساسية تشكل رصيدا لغويا يمكن التلميذ من التعبير والتواصل السليم، ومن هنا جاء هذا البحث المتواضع للإجابة على عدة تساؤلات تؤرقنا كأساتذة للغة العربية مثل التساؤل عن الطرق التي يمكـن أن يتعلم من خلالها المعجم والدلالة؟ هل من خلال المعاجم والقواميس ؟ أم بالتفاعل اليومي مع نصوص مختلفة؟ ومدى استحضار الوعي اللساني في البرامج الدراسية؟ وما هي بعض
العوامل المحفزة على التعلم ؟
مفهوم التعلم
(أ) – لغة : يقال » علمه الشيء تعليما فتعلم وليس التشديد هنا للتكثير بل للتعدية ويقال أيضا تعلم بمعنى أعلم « (1 ).
مفهوم التعلم وتعلم مطاوع علم يقال علمته فتعلم .
( ب ) – اصطلاحا : يكتسي مفهوم التعلم في التعريف الاصطلاحي دلالات متعددة وتعريفات كبيرة تبعا لتعدد المدارس التي تناولته بالدراسة وهي إن اختلفت في اللفظ متفقة في المعنى، الذي هو تلك العملية التي يقوم بها الراشد ليجعل المتعلم يكتسب المعارف والمهارات، أي الكيفية التي نبين بواسطتها للفرد أنماط السلوك والتفكير والشعور، وهنا نحصر مساهمة الذات الملقنة والمساعدة التي هي المعلم.والتعليم هنا يختلف عن مفهوم التربية، وإن كان يتقاطع معها في مجالات متعددة، فالتعليم يتخذ بعدا كونيا يشمل مختلف مجالات الحياة أي أنه نشاط إنساني يتم وفق مجموعة من النظم والمبادئ والأدوات والأهداف، من أجل إحداث النمو في مختلف قوى الأفراد وميادين الحياة المختلفة، وهذا ما يتطابق مع تعريف اليونسكو UNESCO بكونه نشاطا منظما ومتصلا، يصمم بهدف توصيل مزيج من المعارف والمهارات والمفاهيم ذات القيمة على جميع أنشطة الحياة مما يدل على أن التعليم عملية واسعة النطاق لا يشرف على تصميمها وإدارتها طرف واحد بل المجتمع البشري برمته .
ويختلف التعليم عن التعلم بكون هذا الأخير عبارة عن نشاط يكتسب الفرد بموجبه المعارف والمواقف والمهارات وبهذا المعنى يصبح التعلم عملية تغير دائمة في سلوك الإنسان « (2 ) فالتعلم إذن هو كل فعل يمارسه الشخص بذاته، أي أنه مجهــود فـردي مـن الـذات الـمتعلمة. ومن هنا وجب التمييز بين » ظاهرتين: ظاهرة التعلم learning وظاهرة التعليم Teaching «بالمعادلة التالية : المعلم يمارس التعليم والتلميذ يمارس التعلم .
ويمكن أيضا أن نميز بين مفهوم التعلم والاكتساب اللغويين، إذ ينتج الأول عن الاحتكاك بالبيئة الأسرية بالخصوص، أما التعلم فهو مقنن يرتبط بالتلقي أي استعمال اللغة بشكل واعي ، يقدم المتعلم من خلاله تقديم مجموعة من التفسيرات المنطقية البعيدة عن الأحكام العفوية المحددة بالحدس.

تعليم الـمعجم والدلالة في الـمقاربات الديداكتيكية
1 ) – الحوافـز وتعلم الـمعجم والدلالة:

تقتضي عملية التعليم ثلاثة أركان هي : المتعلم والمعلم ثم المادة أو المحتوى ولا يمكن أن نحكم على نجاح تلك العملية إلا إذا كان هناك انسجام تام بين هذه الأركان، وإعطاء عناية خاصة لكل واحد منها ، فالمتعلم مثلا باعتباره مرسل إليه أو محفز يجب أن نأخذ بعين الاعتبار في تعليمه الحوافز المرغبة في التعلم وخلق نوع من التشويق في ذلك من أجل أن تكون لديه طاقة على الاستيعاب والعمل وتقريبه في نفس الوقت من جو المدرسة، هذا من حيث الجانب النفسي، أما بخصوص الناحية الاجتماعية فالمطلوب توثيق العلاقة بين الأسرة والمدرسة من أجل التوجيه والمراقبة المستمرة لسلوك المتعلم، وهذه كلها أمور من شأنها أن تخلق تعلم جيد لدى التلاميذ .
والمعلم هو الآخر كمرسل لا يقل أهمية عن التلميذ، بل إن قضاياه أوسع وأشمل من ذلك، لكونه المفعل المباشر للعملية التعليمية، ولهذا يجب الحرص على إعداد معلم في المستوى المطلوب، بمراعاة ظروفه النفسية والأسرية، ومدى اعتزازه بالمادة التي يدرسها، وكذلك العمل على تكوينه بشكل مستمر من أجل مواكبة ومسايرة كل مستجد.
أما بخصوص المحتوى أو المادة فينبغي أن يراعى فيها الانسجام بين النمو العقلي للمتعلم، وكذلك الدور الاجتماعي والمهني الذي سيقوم به المتعلم في المستقبل، فالمحتوى الذي نقدمه لمن ينوي التخصص في اللغة العربية يختلف عن الذي يسلك توجها علميا كالطب مثلا أو الهندسة(3 )، وبالتالي فكلما كانت المواضيع المدرسة قريبة من ميولات التلاميذ ورغباتهم كلما كانت محببة ومقبولة لديهم، ولا يخفى على الذين يمارسون مهنة التدريس خصوصا هؤلاء الذين تخصصوا في تدريس اللغة العربية، ما تشكله هذه الأخيرة من صعوبات منفرة للتلاميذ الذين لا يتجاوبون معها لعدة أسباب ذاتية وموضوعية، وهذه الظاهرة في تصاعد مستمر جراء الحواجز النفسية التي تشكل للتلميذ اتجاه تعلم اللغة العربية الفصحى الشيء الذي يجعله يتموقف منها سلبا، وهذا الأمر يستدعي مراجعة للوضع التربوي التعلمي في كليته والبحث عن وسائل كفيلة بتحديث تعليم وتعلم اللغة العربية في ظل المعطيات العلمية الحديثة، لكسب ثقة التلميذ في قدرة لغته على مسايرة تلك المعطيات العلمية، وتبديد نظرته الدونية واليائسة للعربية .
ولعل مــن الأمـور الـتي يـنبغي الوقوف عندها هي مفهوم الحافز La motivation الذي أصبح يطرح نفسه بقوة في كل عملية تعلمية ، إذ لا يمكن أن نــتحدث عن تعليم ناجح دون حضور هذا المبدأ المحرك لمسار التعلم » والذي من غاياته الاستجابة لأذواق وحاجيات التلميذ وتحقيق مردودية أكبر بسهولة كاملة « (4 )، ومن هنا يمكن أن نقول أن الحوافز في معناها العام هي كل شيء يستطيع دفع الفرد إلى تبني سلوك معين سواء كان هذا السلوك عقليا أو حركيا أو نفسيا .. إلخ
ولذلك نجد مجموعة من الدراسات تدعم الأبعاد العلمية للحافز من عدة زوايا نفسية واجتماعية ولسانية، وسنحاول هنا التركيز على هذه الأخيرة، - الحوافز – من منظور لساني وهو ما يهمنا في هذا البحث رغم أن الحافز كمفهوم يعود إلى الحقل النفسي .
وتعتبر الدراسات التي أقامها اللساني P.Galaisson من أبرز المقاربات اللسانية التي اهتمت بموضوع الحافز واكتساب الوحدات المعجمية، إذ انتقد في ذلك الطرق التعلمية القديمة ( français Fondamental ) التي تولي اهتماما كبيرا للمحتوى الدراسي أو المواد ( cote matier ) والتركيز بشكل كبير على طريقة التلقين للمعجم لاغية في ذلك كل الفوارق الفردية والاجتماعية للمتلقي، ويقترح Galaisson في مقابل ذلك منهجا جديدا ( çentre d interet ) يجعل من المتعلم محور العملية التعليمية ( coté eneigné ) واستثمار الحافز لديه مما يجعل هذا الأخير يتخذ بعدا تعلميا محضا، وعلى هذا الأساس يمكن أن يستغل الأستاذ النجيب تلك الحوافز لتمرير مجموعة من المفاهيم والمعارف بصفة عامة معتمدا بعض الميولات التي يتصف بها تلامذته سواء أكان ذلك بشكل فردي أم جماعي، مستغلا في ذلك أسلوب التشويق في طرح الأسئلة البانية للدرس حتى يجنب التلاميذ الإحساس بالملل، وكسب مسايرتهم بشغف وتلهف، وهذه الطريقة تحقق نجاحا كبيرا في اكتساب المعجم بحيث يعمل الأستاذ على خلق نشاط فعال في قسمه لا يعتمد على الوصف المعجمي، بل يدفع التلميذ إلى البحث والتعلم الذاتي بعدما يمكنه من آليات الاشتغال، وتركز هذه الطريقة بشكل كبير على ضرورة » مراعاة الاستعداد النفسي والعضوي لدى التلميذ في مرحلة وضع البرامج لهذا التلميذ من جهة ومرحلة الشرح والاختبار ووسائل الإيضاح من جهة أخرى « (5 )، بمعنى أنه لا بد من تحديد البرامج الدراسية وفق مستوى التلميذ الذهني والنفسي والاجتماعي لأن تلميذ البادية ليس هو تلميذ المدينة وهكذا، وإلا فسيحول تعليم اللغة بحكم طبيعته إلى عمل نظري عنيف لا يستسيغه عقل التلميذ، وعندئذ يكره التلميذ درس اللغة ويؤدي به كل ذلك إلى الفشل والإخفاق، وفي المقابل يمكن أن نجعل من درس اللغة وخصوصا تعلم المعجم نوعا من أنواع اللعب حين يصاغ هذا الدرس في صورة تمرينات تعتمد على حيل الطرق التربوية الحديثة، وقتها يتقبل التلميذ ذلك الدرس ويتفاعل معه، مثلا إذا كان ميول التلاميذ إلى الرياضة أو الفن أو غير ذلك يمكن أن نستغل ذلك ونوظف نصا معينا يشمل مفردات متعلقة بتلك الميولات ، أو استغلال المتعة التي يوجدها الأدب بما فيه من أقاصيص عن الأدباء أو عن التاريخ تشمل على نصوص وما فيه من أمثال سائرة وأبيات شعرية رائعة قريبة المتناول بالنسبة لفهم التلميذ على أن تشمل هذه الفقرات القصيرة على الوحدات المعجمية والدلالية المراد إيصالها للتلميذ في إطار الدرس، ومن » الوسائل الحديثة في التشويق إدخال الدرس في إطار الاستماع اللغوي والأشرطة المصورة برسوم متحركة تمثل الصور فيها مواقف حوار، والأشرطة المصورة للرحلات تعرض، ثم تقيد الملاحظات ويجري حولها النقاش.. هذا إلى ما يستطيع المعلم أن يخترع لنفسه من وسائل أخرى للتشويق كأن يختار حوارا من كتب الأدب أو التاريخ الإسلامي فيهيئه ليكن تمثيلية قصيرة يمثلها التلاميذ، ثم تجرى مناقشة حول موضوعها، أو يأخذ التلاميذ في رحلة قصيرة فــي بنية المدرسة ويكلف كلا منهم أن يعد وصفا لمشاهداته في هذه الرحلة .. « (6 ). فهذه الوسائل وغيرها كفيلة بترطيب الجفاف الذي يحسه التلاميذ في تعلم المعجم وتجعلهم لا يحتاجون في تذكر كل ما اكتسبوه من مفردات ومعارف كثيرا من الجهد والاستذكار، وفي تطبيق هذه الوسائل لا بد من الأخذ بعين الاعتبار حصيلة ومعرفة التلميذ السابقة باللغة » ويصدق ذلك على ضرورة أن يبني برنامج التعليم خطته على أساس المفردات التي سبق للتلميذ أن تعلمها في البيت والبيئة فيبدأ البرنامج من منطلق هذه المفردات ليبني عليها غيرها « (7 ) بمعنى أنه على المدرس أن ينطلق دائما من المحصلات المعرفية السابقة وتحسيس التلميذ بها وربطها بما سيقدم له من موضوعات حتى يخلق له نوع من التنشيط يكون بمثابة حافز يدفعه إلى التعلم .
ومن المسائل الأخرى التي يستحب استغلالها هي علاقة التلميذ بأستاذه فجميعنا يذكر أنه أعجب بأحد أساتذته وأحبه كما يحب أباه وكيف ينعكس ذلك الحب على حب المادة التي يدرسها بصفة عامة، لأن هناك من التلاميذ من يثق في مدرسه ثقة مطلقة ويعتبره القدوة الحسنة في المعرفة ويفضل بذلك التعامل معه، ويحترم آراءه، فالعلاقة بين التلميذ وأستاذه أنبل ما يقوم من علاقة بين اثنين يوجدها الاختيار الحر، والمقاييس العملية والمعرفية، ومن هنا تأتي أهمية شخصية المعلم كركن أساسي في العملية التعلمية، إذ يجب عليه أن يكون عند حسن ظن تلامذته وفي مستوى الثقة التي وضعت فيه .
وهكذا فإن التحفيز يعتبر عاملا هاما في التربية والتعليم وتكمن أهميته في كونه يشمل جميع أطراف العملية التعليمية التي لا يمكن أن نقول أنها حققت أهدافها – البعيدة والقريبة – ما لم نأخذ بعين الاعتبار جميع أركانها الأساسية .


2 ) – السياق الاجتماعي ومعاني الوحدات الـمعجمية :

» إن كل لغة ترتبط في وجودها وخصائصها ببيئة اجتماعية معينة، حيث تستعمل كوسيلة للتواصل بين أفرادها. ولذلك فإننا لا يمكن أن نعزل الظواهر المعجمية عن مقاماتها الاجتماعية ولا عن دلالاتها السوسيولوجية أيضا، إذن فالمفردات ككل الحقائق الملموسة واقعيا، ظاهرة بكل ما للكلمة من معنى، ظاهرة ليس فقط لأنها تعكس الواقع الاجتماعي الذي هو أصلها ومنبعها، ولأنها مظهرا جليا يمكن أن نرى فيه المجتمع واضحا بخصائصه ومميزاته، بل لها أدوار حاسمة كوسيلة من وسائل التواصل والتعليم والتعلم، وأساس التقدم وازدهار العلم والمعارف، ونمو المجتمعات وبناء الحضارات والثقافات « (8 )، فاللسانيات الاجتماعية إذن تعطي أهمية للسياق الذي يحدث فيه التواصل اللغوي والمقصود به اعتبار الموقف أو المقام، فنحن عندما نتحدث عن الموقف لا يمكن تصوره دون العوامل العاملة فيه التي هي المرسل والمرسل إليه وكذلك العوامل الاجتماعية المحيطة بهما، لأن الوحدات الكلامية للغة الطبيعة ليست مجرد سلسلة أو خيوطا من الكلمات بل هناك مكون كلامي خارجي يفرض نفسه باستمرار، أي أن المعجم لا يطرح مشكل المعنى وعلاقته بالنحو والصرف فقط، وإنما يطرح أيضا انعكاس هذا المعنى على مستوى الحياة الاجتماعية، وبالتالي بين المعنى اللغوي والمعنى الاجتماعي ومن هنا يرى هاليداي أن » اللغة سيميائية اجتماعية يجب دراستها وتفسير ظواهرها على هذا الأساس « (9 )، وانطلاقا من هذا فإنه يجب الأخذ بعين الاعتبار البعد الخارجي لأي خطاب في المقاربة البيداغوجية، باعتبار عملية التدريس عملية براغماتية تنحو نحو الاستعمال لا نحو التحليل الداخلي للمعطيات وإعادة النظريات اللسانية، ومن هذا المنطلق ينظر ج . ماطوري إلى المعجم حين اعتبر دراسة المفردات دراسة للمجتمع ككل وأن » الانطلاق من دراسة المفردات إنما يكون لمحاولة تفسير مجتمع معين « ( 10). فالمعجمية تتناول اللغة كظاهرة اجتماعية، وبالتالي لا يدرس المعجم لذاته وإنما يدرس لتفسير المجتمع، فماطوري يعتبر المفردات أفعالا اجتماعية تصنف في مجموعات تسمى حقولا، وتصنف هذه الحقول » حسب التصورات والمفاهيم الخاصة بكل مجتمع والخاصية بكل حقبة « (11 ) ومعنى هذا أن هناك تلازم بين اللغة والمجتمع، فكما تختلف المجتمعات في تصوراتها حسب الزمان والمكان، كذلك تحصل اختلافات في لغاتها، لذلك لا ينظر ماطوري إلى المفردات في شكلها المجرد وإنما ينظر إلى القيمة التي تحملها كل مفردة، وهذه القيمة هي التي تعطي الكلمة مدلولها سواء كانت حسية أو ذهنية فقيمتها قيمة اجتماعية بمعنى أنها تستمد أهميتها من وضعها داخل السياق الاجتماعي، ذلك أن المعنى المعجمي ليس كل شيء في إدراك معنى الكلام فثمة عناصر غير لغوية ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل هي جزء من معنى الكلام وذلك كشخصية المتكلم وشخصية وما بينهما من علاقات وما يحيط بالكلام من ملابسات، ومعنى هذا أن الرصيد اللغوي الذي يكتسبه المتعلم ليس مجرد ركام من الأفعال والأسماء والحروف وإنما هو عبارة عن تجارب حية وسلوكات في نشاط الإنسان » وبالتالي فإن كل نظرة تعتمد تحليل هذه اللغة إلى مستويات جزئية صرفية وتركيبية ودلالية مستقلة – كما يفعل البنيويون الأمريكيون – يفقد اللغة طابعها الخاص بها « ( 12).
إذن يمكن أن نخرج بخلاصة مفادها أن السياق اللغوي هو الذي يحدد معنى الوحدات المعجمية والخطاب اللغوي بصفة عامة، وإذا حاولنا أن نلقي نظرة استكشافية لبعض القواميس والمعاجم المدرسية سنجد أن هذه السياقات لا توجد فيها إلا عوضا في شرح المفردات وهي ليست مستهدفة لذاتها. ومن هنا يمكن الاستفادة تربويا من البحث اللساني بمراعاة السياقات الإجتماعية في تعليم المعجم والدلالة.

3 – الأهـداف من تعلم وتعليم الـمعجم والدلالـة :

يمكن أن يؤدي المعجم مجموعة من الوظائف التربوية والثقافية بصفة عامة، لأنه الخطوة الأولى التي يمكن أن ندخل من خلالها لفهم أي نص أدبي ومن دون التحكم في المعجم لا يمكن الكشف عن دلالته، وهنا طبعا تطرح مسألة الوعي بأهمية المكون المعجمي، والمعرفة الصحيحة للطريقة التي يجب أن يدرس بها المعجم داخل النصوص الأدبية، ولا يمكن لهذا الوعي والمعرفة أن يتأتيا إلا من خلال الاستناد إلى خبرة اللساني الذي يستطيع تحديد المعجم كنظام مترابط العلاقات وليس مجرد شرح مفردات غامضة، وهذه العملية ستساعد - لا محالة – التلميذ على تنمية مداركه المعرفية، وتنشيط فكره بتحفيزه – عبر نصوص مختلفة – على تفكيك النظام المعجمي داخلها والبحث عن العلاقات الدلالية والتركيبية القائمة بين مفردات كل حقل من الحقول المعجمية، باعتبار هذه الطريقة تعتمد على التحليل أكثر من اعتمادها على التلقين والحفظ . إلا أننا إذا تأملنا في الكتاب المدرسي، سنجده غالبا لا يأخذ هذه الجوانب الأساسية في المعجم بعين الاعتبار وكذلك الشأن بالنسبة للمستوى الدلالي الذي تغيب فيه الفعالية التربوية في تحفيز القدرات العقلية للتلاميذ، والاقتصار فقط على المعاني السطحية التي تحققها البنى التركيبية، دون الأخذ بعين الاعتبار البنية العميقة أو الدلالات البعيدة لها، وهذا يتجلى من خلال بعض الأسئلة المتعلقة بمضمون النص، والدلالة كما نعرف لا تقف عند ما هو ظاهر، أو عند حدود سرد بعض المحتويات أو التعابير الجاهزة في النص الأدبي بل تتخذ بعدا أعمق وهو تفسير الحياة الاجتماعية والإيديولوجية بصفة عامة، وهذا الأمر أغفلته التوجيهات الرسمية » فإذا ما نحن انتقلنا إلى المستوى المتعلق بالطرق التعليمية المتبعة في تدريس النص الشعري فإننا سنكتشف حصتها من التشويش على طبيعة هذا الأخير، ذلك أن قيام جل هذه الطرق على أساليب التلقين والتوصيل والإخبار، يؤدي إلى الخروج بالعمل الشعري من رحابة وظيفته الفنية الجمالية إلى دائرة الوظيفة التواصلية الضيقة التي تعصف في نهاية التحليل بالحدود التي تميز لغة العمل الأدبي بعامة عن لغة غيره من النصوص غير الأدبية، ومن هذه الناحية كذلك يختزل النص الشعري في مجموعة من المعارف اللغوية والتاريخية، يعمل الأستاذ على تلقينها للتلاميذ من خلال عملية نثر النص وترجمته إلى مجرد أقوال باردة لها الهجانة والابتذال« (13 ).
وبالتالي فإن التعامل الكلي مع اللغة على هذا الأساس ستكون له انعكاسات سلبية على تعلم التلاميذ الذين يصبحون عبارة عن وعاء فارغ يملؤه المدرس بمجموعة من المفردات التي غالبا ما تنسى أولا يستحضرها التلميذ في حينها، وهذه النظرة ستجعل الدراسات التربوية والديداكتيكية الحديثة تفرض أسلوبا جديدا على المدرسين تتجاوز بعض » الأخطاء في المناهج التي كان يراعى في وضعها ما يسمى بزيادة الثروة اللغوية والمبالغة في الاهتمام بالمصطلحات الجافة فنشأت عن ذلك مناهج تحتوي على مجموعة من متون اللغة يحفظها التلاميذ، وهي ألفاظ غريبة يستعملونها في إنشائهم وربما لا تعرض لهم عند قراءتهم « ( 14) بل أصبح الحديث عن أهداف عامة لتعليم اللغة بصفة عامة، والمعجم والدلالة بصفة خاصة، التي تمثل انعكاسا للأهداف التربوية العامة التي تتبناها الدولة، والتي تمثل بدورها الترجمة العلمية للفلسفة التي تسود المجتمع. إذ بواسطتها تتحول إلى مجموعة من المفاهيم والتصورات والآمال التي تهدف الأمة، إلى تحقيقها في المجال التربوي، وهذه الأهداف تستمد من طبيعة المجتمع ودينه، وفلسفته، وتراثه القومي، وتناسبها مع طبيعة العصر، فالمعجم هو البوابة التي تدخل المؤسسة التعليمية منها إلى شخصية المتعلم، لأنها مجال تشكيل عقليته وشخصيته، ومجال الانتقاء السياسي والإيديولوجي والعقائدي للمنتوج البشري الذي يسمى المواطن الصالح حسب الوصفة المحددة المعالم مسبقا في السياسة العامة، والسياسة التربوية التي تعمل المؤسسة التربوية على إنتاجها عن طريق » تهيئة الفرصة المناسبة لمساعدة الأفراد على النمو الشامل المتكامل روحيا، وخلقيا، وفكريا، واجتماعيا، وجسميا إلى أقصى ما تسمح به استعداداتهم وإمكاناتهم في ضوء طبيعة المجتمع .. وفلسفته وآماله، وفي ضوء مبادئ الإسلام والتراث العربي والثقافة المعاصرة، بما يكفل التوازن بين تحقيق الأفراد ذواتهم، وإعدادهم للمشاركة البناءة في تقدم المجتمع « ( 15). وقد لخصت منظمة اليونسكــو الأهداف العامة لتعليم اللغة في : - التمكن من وسائل التعبير الكتابي والشفوي، ومعرفة الأدب والثقافة، وتنمية التفاهم، واكتساب المصطلحات الفنية والعلمية والمهنية، وتنمية القدرة على التحليل والتركيب ، ويساهم المعجم أيضا في تنمية مجموعة من المهارات اللغوية التي يقسمها اللغويون إلى أربع مهارات هي الاستماع والقراءة التي يتلقى من خلالها التلميذ الأفكار ويستوعبها ومهارتي التعبير والكتابة كمرحلة ثانية يستطيع أن يوصل من خــلالها كل رغباته وأفكاره للآخرين ، فالهدف من المهارة الأولى – الاستماع - هو الوصول بالتلميذ إلى مستوى يمكنه من استيعاب ما يسمع وذلك بفهم الكلمات والجمل .. أيضا نفس الأمر بالنسبة لمهارة القراءة التي يصل من خلالها إلى قراءة سليمة للكلمات والجمل والنصوص المختلفة، وهذه المهارات ستساهم في تمكين التلميذ من المشاركة في حوارات عامة حول موضوعات مختلفة، والقدرة على التعبير عنها كتابة في جمل أو فقرات
وعموما يمكن أن نجمل أهداف تعليم المعجم والدلالة فيما يلي:
- مساعدة المتعلم على فهم المتن التعلمي من ناحية التركيب والصرف والصوت والكتابة.
- تحصيل مجموعة من المعارف والمعلومات الثقافية .
- إثراء رصيده اللغوي .
- التمكن من معاني المفردات اللغوية ضمن سياقات معينة .
- بناء شخصية المتعلم في جوانبها السلوكية المختلفة المعرفية والحسية والحركية والاجتماعية والنفسية كما حددها بلوم وزملاؤه - القدرة على المطالعة الحرة، أي المساهمة في التعلم الذاتي عند المتعلم.
- تنمية الإنتاجية اللغوية والإبداعية عند المتعلم و فهم المتن التعليمي ضمن حيثيات المقام والمقال والتفاعل معه .
- تشكيل الإطار العام اللغوي التواصلي بين الأستاذ والمتعلم .
وبهذا فإن تعلم المعجم والدلالة، يشكل مركز الفعل التعلمي والتعليمي كونه إطارا للتواصل اللغوي والاجتماعي للمتعلم حيث لا يمكن التواصل خارجه, وإطارا خصبا لتعلم اللغة و موضوعا دراسيا في حد ذاته أو وسيطا تعلميا في المواضيع العلمية الأخرى كالعلوم والاجتماعيات .. وهو بذلك العنصر المركزي لكفاءة الاتصال ، لذلك كان محط عناية المبرمج التربوي والمدرس .

المراجع:

( 1 ) – مختار الصحاح : ع . القادر الرازي ، دار الكتاب العربي 1980 ص : 454

( 2 ) – سلسلة التكوين ، نظريات التعلم ص : 24 ( 1 ) – المناهل : العدد الثامن. تعليم النحو، د.حسان تمام، ربيع الأول 1397 / مارس 1977 ص.102
( 3 ) – Robert galaisson . Lexicologie et enseignement des langues , 1979 page 6
( 4) – المناهل ،تعليم النحو, د حسان تمام العدد 8 ، السنة الرابعة 1977 ص : 100
( 5 ) – المناهل ، ص : 102
( 6 ) – نفسه ص : 103
( 7 ) – ( 2 ) – اللسانيات العربية الحديثة, مجموعة من المؤلفين، رسائل وأطروحات ، ص : 257
( 8 ) – منهج المعجمية ، جورج ماطوري ، ترجمة ع . العلي الودغيري ، منشورات كلية الآداب ، جامعة محمد الخامس ، مطبعة المعارف الجديدة 1930 ، ص : 76
( 9 ) – نفسـه
تعليم وتعلم اللغة العربية وثقافتها ، مرجع سابق ص : 96

( 11 ) – اللسانيات العربية الحديثة، مصطفى علقان سلسلة رسائل وأطروحات رقم 4 ، ص : 257
( 12 ) – تدريس الأدب استراتيجية القراءة والقراء ، محمد حمود ، منشورات ديداكتيكا 1993 ، ص : 57
( 13 ) – طرق تدريس اللغة العربية ، جودة الركابي ، دار الفطر ط II ، دمشق 1980 ص : 9

( 14 ) – اللغات الأجنبيـة ، ص : 200
( 15 ) – نفسه ، ص : 223
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تعليم وتعلم المعجم والدلالة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فاطمة :: منتديات بوسى العامة :: منتدى عام-
انتقل الى: